بقلم: الإعلامي عبد القادر عقون

لم تعد الجزائر مجرد شريك طاقوي تبحث عنه أوروبا عند الحاجة، بل أصبحت تحظى بمكانة متزايدة في الحسابات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية للقارة الأوروبية، في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة المغاربية والساحل الإفريقي، وتراجع النفوذ الفرنسي التقليدي في عدد من دول القارة.

وتكشف الزيارات الرسمية المتكررة لمسؤولين أوروبيين إلى الجزائر عن اهتمام متنامٍ بتعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع مجالات التعاون، في وقت تتزايد فيه حاجة أوروبا إلى شركاء موثوقين يمتلكون مقومات الاستقرار والإمكانات الطاقوية والموقع الجغرافي الاستراتيجي.

ومن بين التحركات الدبلوماسية اللافتة في هذا السياق، زيارة وزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن إلى الجزائر يومي 2 و3 نوفمبر 2026، فضلاً عن زيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز في جويلية من العام نفسه. وتعكس هذه التحركات رغبة أوروبية في إعطاء العلاقات مع الجزائر أبعاداً تتجاوز التعاون التقليدي، نحو شراكات أوسع تشمل الاقتصاد والطاقة والأمن والاستثمار.

تراجع النفوذ الفرنسي يعيد رسم خريطة العلاقات في إفريقيا

تأتي هذه الديناميكية في سياق تحولات عميقة تعرفها منطقة الساحل الإفريقي، حيث شهدت السنوات الأخيرة انسحاب القوات الفرنسية من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، عقب قرارات اتخذتها سلطات هذه الدول، في إطار مراجعة علاقاتها مع باريس وإعادة تحديد خياراتها الأمنية والسياسية.

وقد مثّلت هذه التطورات تراجعاً لافتاً للنفوذ الفرنسي في منطقة ظلت لعقود ضمن دوائر التأثير التقليدي لباريس، كما فتحت المجال أمام إعادة تشكيل العلاقات الدولية في إفريقيا على أساس المصالح المتبادلة واحترام سيادة الدول.

وفي ظل هذه التحولات، تبرز الجزائر باعتبارها دولة محورية في محيطها الإقليمي، بالنظر إلى ثقلها الدبلوماسي وموقعها الجغرافي ودورها في ملفات الأمن والاستقرار، فضلاً عن تمسكها بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترام خياراتها السيادية.

الطاقة والموقع الجغرافي.. أوراق الجزائر في الحسابات الأوروبية

لا يمكن فهم الاهتمام الأوروبي المتزايد بالجزائر بمعزل عن التحولات التي تعرفها أسواق الطاقة العالمية، وسعي الدول الأوروبية إلى تنويع مصادر إمداداتها وتقليص تبعيتها لمصادر محدودة.

فالجزائر تمتلك بنية تحتية مهمة في مجال المحروقات، وشبكة من أنابيب نقل الغاز التي تربطها مباشرة بالأسواق الأوروبية، ما يمنحها موقعاً مهماً في معادلة الأمن الطاقوي الأوروبي.

غير أن أهمية الجزائر لا تتوقف عند قطاع الغاز، إذ تملك إمكانات واعدة في مجال الطاقات المتجددة، خصوصاً الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، إلى جانب موقعها الجغرافي الذي يجعلها حلقة وصل طبيعية بين أوروبا وإفريقيا.

كما يمثل مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط نيجيريا بالجزائر وصولاً إلى الأسواق الأوروبية، أحد المشاريع الاستراتيجية التي يمكن أن تعزز مكانة الجزائر في خريطة الطاقة مستقبلاً، إذا توفرت له الشروط التقنية والاقتصادية والأمنية اللازمة.

وتمنح هذه المقومات الجزائر أوراقاً مهمة في علاقاتها مع شركائها الأوروبيين، لكنها تفرض في المقابل ضرورة إدارة هذه الشراكات وفق رؤية طويلة المدى، تضمن المصالح الوطنية وتحقق التوازن بين متطلبات التعاون الخارجي وأولويات التنمية الداخلية.

من بلد يعتمد على الاستيراد إلى اقتصاد يعزز الإنتاج المحلي

لا تقتصر التحولات التي تعرفها الجزائر على الجانب الدبلوماسي أو الطاقوي، بل تمتد إلى مسار اقتصادي يستهدف تعزيز الإنتاج الوطني وتقليص الاعتماد على الاستيراد، وهو توجه حظي بدعم مباشر من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الذي جعل تشجيع الإنتاج المحلي وتطوير الصناعة الوطنية ضمن أولويات السياسة الاقتصادية للدولة.

وقد شهدت السنوات الأخيرة تحركات لدعم المؤسسات الصناعية العمومية والخاصة، وتشجيع الاستثمار المنتج، وتوسيع النشاط الصناعي في قطاعات متعددة، من الصناعات الميكانيكية والغذائية إلى الحديد والصلب والصناعات الإلكترونية والدوائية.

وفي هذا السياق، أكد رئيس الجمهورية في أكثر من مناسبة ضرورة إعطاء الأولوية لتلبية احتياجات السوق الوطنية من الإنتاج المحلي، مع تحسين جودة المنتوج الجزائري وتعزيز قدرته التنافسية وفتح آفاق أوسع أمام التصدير.

كما أشار خلال افتتاح معرض الإنتاج الجزائري إلى التقدم الذي حققته الصناعة الوطنية، وإلى مساهمة تشجيع الإنتاج المحلي في خفض فاتورة الواردات. وهي مؤشرات تعكس توجهاً نحو بناء قاعدة إنتاجية أكثر تنوعاً، بدلاً من الاكتفاء بدور السوق المستهلكة للمنتجات المستوردة.

إن انتقال الجزائر تدريجياً نحو ترسيخ اقتصاد منتج يمثل تحولاً مهماً في موقعها الإقليمي والدولي؛ فالدول التي تمتلك قاعدة صناعية وإنتاجية قادرة على تلبية احتياجاتها وتصدير منتجاتها، تمتلك هامشاً أوسع من الاستقلال الاقتصادي، وتصبح أكثر قدرة على فرض مصالحها في الشراكات الدولية.

وهنا تكمن أهمية هذا المسار: فالجزائر لا تريد أن تكون مجرد مصدر للغاز والمحروقات، بل تسعى إلى أن تكون بلداً منتجاً ومصدراً، يمتلك مؤسسات وطنية قادرة على المنافسة والمساهمة في الاقتصاد العالمي. وهذا مؤشر مهم في مسار الانتقال إلى مصاف الاقتصادات الأكثر تنوعاً وتأثيراً.

مكانة دولية متنامية.. ومن حق الجزائريين الاعتزاز ببلدهم

إن تزايد الزيارات الأوروبية إلى الجزائر وما يصاحبها من مباحثات واتفاقيات يعكس إدراكاً متنامياً لأهمية الدور الجزائري في المنطقة، ويؤكد أن البلاد تمتلك من المقومات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية ما يجعلها شريكاً مهماً في حسابات القوى الدولية.

ومن حق الجزائريين أن يعتزوا ببلدهم وبخياراته السيادية، وأن يفخروا بدولة استطاعت الحفاظ على استقلالية قرارها ومواقفها، وتعمل على تعزيز حضورها الإقليمي والدولي، بالتوازي مع مساعيها لبناء اقتصاد أكثر تنوعاً وإنتاجاً.

فالاعتزاز بالجزائر ليس مجرد شعور وطني، بل هو إدراك لقيمة بلد يمتلك تاريخاً سيادياً وثقلاً دبلوماسياً وموارد طبيعية وبشرية وموقعاً جغرافياً استراتيجياً. غير أن هذا الاعتزاز ينبغي أن يترافق مع طموح أكبر لمواصلة الإصلاح والتنمية، حتى تتحول الإمكانات المتاحة إلى قوة اقتصادية حقيقية تنعكس على حياة المواطنين.

ومن هنا، تبرز مسؤولية السلطات في استثمار الظرف الدولي الراهن من أجل التفاوض على شراكات نوعية، لا تقتصر على تصدير المواد الأولية أو استيراد المنتجات الجاهزة، وإنما تشمل إنشاء مشاريع صناعية داخل الجزائر، ونقل التكنولوجيا والخبرات، وتطوير الكفاءات الوطنية، وتعزيز مساهمة المؤسسات الجزائرية في سلاسل الإنتاج الدولية.

فنجاح الدبلوماسية الاقتصادية لا يقاس بعدد الوفود التي تزور البلاد، ولا بحجم التصريحات التي تصدر عقب الاجتماعات، وإنما بما تتركه من أثر في الاقتصاد الوطني، وما توفره من فرص عمل، وما تضيفه إلى القدرة الإنتاجية للبلاد.

الجزائر أمام فرصة استراتيجية

تعيش الجزائر مرحلة إقليمية ودولية تتسم بإعادة ترتيب التحالفات وموازين المصالح، وهو ما يمنحها فرصة لتعزيز موقعها كشريك مستقل وفاعل، بعيداً عن منطق التبعية أو الاصطفاف غير المحسوب.

كما أن تراجع النفوذ الفرنسي في أجزاء من إفريقيا، وتزايد اهتمام القوى الأوروبية بالجزائر، وتطور قاعدة الإنتاج الوطني، كلها عوامل تضع أمام البلاد فرصة لإعادة صياغة شراكاتها الخارجية على أسس أكثر توازناً، بما يخدم المصالح الوطنية ويحفظ استقلالية القرار الجزائري.

إن الجزائر تمتلك اليوم مقومات استراتيجية مهمة، من الطاقة والموقع الجغرافي إلى الإمكانات الصناعية والموارد البشرية. والتحدي هو مواصلة بناء اقتصاد منتج، وتحويل هذه المقومات إلى قوة اقتصادية حقيقية تعزز مكانة البلاد وتضمن رفاه مواطنيها.

فالجزائر ليست مجرد مورد للطاقة أو محطة دبلوماسية في حسابات العواصم الأوروبية، بل دولة ذات سيادة تسعى إلى تعزيز استقلال قرارها وبناء اقتصادها الإنتاجي. ومن حق الجزائريين أن يعتزوا ببلدهم ومكانته وبخياراته السيادية، لكن الرهان الأكبر يبقى في تحويل هذه المكانة إلى استثمارات ومصانع وفرص عمل وصادرات، وأن يكون المواطن الجزائري المستفيد الأول من ثمار هذا التحول.

إن الاعتزاز بالجزائر يزداد قيمة عندما يقترن بالعمل من أجل تقدمها، وعندما تتحول مكانتها الدولية إلى قوة اقتصادية وتنموية تجعلها أكثر حضوراً بين الدول المنتجة والمؤثرة.

Share.

عبد القادر عقون صحفي ومختص في العلاقات الدولية يشتغل حالياً مديرا عاما مسيرا لشبكة الهضاب تي في.

Leave A Reply Cancel Reply

Exit mobile version