بقلم: حمزة بن علاق

حين جلس مندوب الجزائر إلى طاولة مجلس الأمن في الثلاثين من أكتوبر 2026، لم يكن يتحدث بلسان دولة جارة تدافع عن مصلحة عابرة، بل بلسان بلد يعرف، من واقع تجربته، ما تعنيه مصادرة إرادة الشعوب. حضر الجلسة بوصفه ممثلاً لدولة مجاورة للنزاع، ومضيفة لمئات الآلاف من اللاجئين الصحراويين، وعضواً في الأمم المتحدة متمسكاً بميثاقها. ثم شرع في تفكيك النص المعروض على المجلس كلمةً كلمةً. وذكّر بأن حامل القلم يتحمل مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون صاحب امتياز، وأن عليه كسب ثقة الأطراف بنزاهة وتوازن. وتساءل أمام الأعضاء عما إذا كانت هذه المعايير قد روعيت في صياغة المشروع، تاركاً الإجابة لضمائرهم.

ثم انتقل إلى جوهر المسألة، مؤكداً أن حق تقرير المصير كان وسيبقى المرجعية الأوضح والأكثر قبولاً للتعبير عن إرادة الشعوب. وطرح تساؤلات مباشرة: من الذي يخشى الاحتكام إلى الاقتراع؟ ومن الذي يريد حصر هذا الحق في إطار الحكم الذاتي؟ وشدد على أن أي عملية سياسية جادة يجب أن تقوم على القانون الدولي وأن تنتهي إلى اتفاق بين الأطراف، فالمفاوضات وُجدت للتوصل إلى حل مقبول من الجميع، لا لتبرير نتيجة فُرضت قبل أن تبدأ.

وأضاف أن النص المطروح يتعامل مع السيادة المغربية باعتبارها نقطة البداية والنهاية في آن واحد، مؤكداً أن أحداً لا يملك أن يمنح قوة الاحتلال ما لا تملكه قانوناً. ودعا المجلس إلى الاحتكام إلى محكمة العدل الدولية، واصفاً المشروع بأنه غطاء قانوني لواقع نشأ بالقوة على إقليم تصنفه الأمم المتحدة ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.

ولم يغفل البعد الإنساني، إذ ذكّر بأن اللاجئين بشر لهم قصص وأحلام وحق في الحماية والعيش الكريم بموجب اتفاقية عام 1951، وليسوا مجرد أرقام في جداول الاحتياجات. واختتم بالتأكيد أن الجزائر ستواصل، بصدق وحزم، الدفاع عن حل عادل ودائم ومقبول من الجميع، يضمن للشعب الصحراوي حقه في تقرير مصيره وفقاً لميثاق الأمم المتحدة وقراراتها.

وفي القاعة نفسها، كان الرد الأقوى يتشكل. فعندما حان موعد التصويت على المشروع الذي قدمته الولايات المتحدة، حصل على أحد عشر صوتاً، لكنه سقط بفعل الفيتو الروسي، فيما امتنعت الصين وباكستان والصومال عن التصويت.

وكان المشروع يقضي بتمديد ولاية البعثة لمدة عام، لكنه يتضمن تغييراً في اسمها بحذف حرف الاستفتاء منه، كما يجعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً وحيداً للتفاوض. وبرر المندوب الروسي موقف بلاده بأن مجلس الأمن لا يملك حسم مسائل السيادة بصورة تلقائية، وأن فرض حل من طرف واحد، دون نقاش حقيقي مع الطرف الآخر، لن يؤدي إلا إلى طريق مسدود.

ورأى المندوب الروسي أن النص يتجاهل الأساس التاريخي لتسوية قضية الصحراء الغربية، ويقصي المقترح الذي قدمه الصحراويون عام 2007، معتبراً أن حذف حرف واحد من اسم البعثة لا يمكن فهمه إلا بوصفه تخلياً عن مصالح سكان المخيمات. بل ذهب إلى أبعد من ذلك، حين اعتبر أن واشنطن أضعفت صفتها وسيطاً نزيهاً، بعدما أعلنت موقفاً وطنياً بشأن السيادة المغربية على الإقليم.

ولم يكن الاعتراض روسياً وحده، فقد أكدت الصين أن النص لم يُمنح الوقت الكافي للتشاور، وأنه يمارس ضغطاً على طرف واحد لقبول نتيجة محددة مسبقاً. كما امتنعت باكستان والصومال عن التصويت، خشية أن تحسم بعض بنود المشروع نتيجة المفاوضات قبل انطلاقها.

وحتى الدول التي صوتت لصالح النص حرصت على توضيح حدود موقفها، فأعلنت الدنمارك ولاتفيا أن تصويتهما لا يعني الاعتراف بالسيادة المغربية على الإقليم، فيما طالبت الدنمارك الرباط بتوضيح الضمانات التي يوفرها الحكم الذاتي لضمان حق حقيقي في تقرير المصير.

وهكذا، انكشف أن مشروعاً سُوّق باعتباره خريطة طريق لم يحظَ بإجماع حتى بين مؤيديه، وأن فكرة فرض الحسم من أعلى لم تجد داخل المجلس المساحة التي تصورها أصحابها.

وما إن انتشرت أخبار الجلسة حتى بدأت مشاهد الاحتفال تتناقل من المخيمات. فبحسب مصادر صحراوية، خرج صحراويون إلى الشوارع في مخيمات اللاجئين احتفالاً برفض روسيا للمشروع الأمريكي، وذلك بعد أيام من احتجاجات رافضة للنص نفسه.

وتقول هذه المشاهد ما تعجز عنه البيانات الدبلوماسية، إذ تؤكد أن الشعب الذي تدور حوله القضية لا يقبل أن يتحول إلى مجرد موضوع تتفاوض عليه الدول في غيابه، وأن رفضه ليس موقف قيادة فحسب، بل هو أيضاً نبض شارع يرى في إسقاط المشروع حفاظاً على حقه في تقرير مصيره بنفسه.

ويبقى السؤال: لماذا يُعد ما جرى انتصاراً؟ لأن المشروع الذي أراد تثبيت أحادية الحل سقط، ولأن مرجعية القانون الدولي خرجت أكثر حضوراً مما كانت عليه.

فالصحراء الغربية لا تزال مدرجة على قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي منذ عام 1963، كما أن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في السادس عشر من أكتوبر 1975 لم يثبت وجود روابط سيادة إقليمية من شأنها منع تطبيق القرار 1514 بشأن حق الشعوب في تقرير المصير. ويظل القرار 2797 قائماً ونافذاً.

أما الرباط، فعندما أعلنت عبر الديوان الملكي أن الملف قد أُغلق وأن على البعثة المغادرة، فإنها عبّرت عن موقف سياسي لا يغير المركز القانوني للإقليم، ولا يُسقط مسؤولية الأمم المتحدة عن استكمال مسار تصفية الاستعمار.

وسيجد الجزائريون والصحراويون في جلسة الجمعية العامة، التي تفرض قواعد عام 2022 عقدها خلال عشرة أيام عمل من استخدام حق النقض، منبراً لإعادة القضية إلى عنوانها الأصلي.

ولا يغيب عن أي قارئ منصف أن ولاية البعثة انتهت، وفقاً للنص، في الحادي والثلاثين من أكتوبر، بعد سقوط المشروعين، وأن واشنطن أعلنت استعدادها للعمل مع الأمين العام للأمم المتحدة بشأن انسحاب منظم، وهو ما يطرح تحديات ومخاطر على الوضع الميداني.

لكن التاريخ علّمنا أن البعثات تأتي وتذهب، أما حقوق الشعوب فلا تسقط بالتقادم، ولا بفيتو، ولا بقرار.

لقد جاء الجواب من القاعة نفسها: حاولت واشنطن كتابة قواعد اللعبة بيد واحدة، فاصطدمت بجدار الشرعية الدولية. وحققت الجزائر والصحراويون مكسباً سياسياً ودبلوماسياً في معركة الحفاظ على الأساس القانوني للقضية، فتقرير المصير مبدأ لا يمحوه نص يُمرر، وأي سلام دائم لا يمكن أن يُبنى دون رضا أصحاب القضية.

المعركة لم تنتهِ، لكن هذه الجولة حُسمت لصالح من يدافع عن القانون وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

Share.

عبد القادر عقون صحفي ومختص في العلاقات الدولية يشتغل حالياً مديرا عاما مسيرا لشبكة الهضاب تي في.

Leave A Reply Cancel Reply

Exit mobile version