ثمانون عاماً مرّت على تأسيس الأمم المتحدة، والعالم الذي رسم المنتصرون عام 1945 خريطته لم يعد هو العالم نفسه، لكن الطاولة التي جلسوا إليها ما زالت على حالها. فقارة بأكملها، تضم أكثر من خُمس سكان الأرض، تُناقش قضاياها وتُتخذ القرارات بشأنها في قاعة لا يشغل فيها أي بلد إفريقي مقعداً دائماً. وهذا ليس سهواً تاريخياً، بل ظلم مؤسَّس، ترفض الجزائر أن يتحول إلى أمر مألوف.

الجزائر لا تساوم على المبدأ

حين تتحدث الجزائر في الأمم المتحدة، فإنها لا تتحدث بلغة المجاملة. ففي عام 2021، أعلن وزير الخارجية آنذاك، صبري بوقادوم، أن لإفريقيا الحق في مقعدين دائمين، داعياً إلى طي صفحة الظلم التاريخي.

وفي نوفمبر 2024، ترأس السفير عمار بن جامع اجتماعاً للجمعية العامة لبحث مسألة التمثيل العادل في مجلس الأمن، بعد انتخاب الدول الأعضاء الجزائر بالإجماع نائباً لرئيس الدورة التاسعة والسبعين.

وفي سبتمبر 2025، حمل وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، الرسالة إلى مجموعة العشرين، مطالباً بإصلاحات شاملة. وفي أكتوبر من العام نفسه، جدّد بن جامع الدعوة أمام مجلس الأمن.

أما في أكتوبر 2026، فقد كان عطاف في طرابلس، مشاركاً في اجتماع قادة لجنة العشرة الإفريقية المعنية بإصلاح مجلس الأمن.

إنها مواقف متتابعة، بنبرة واحدة وبوصلة لا تتغير.

وللجزائر ما يميزها في هذا الملف، وهو امتلاكها تجربة العضوية داخل مجلس الأمن. فقد عاينت عن قرب كيف تُصاغ القرارات في دوائر ضيقة، وكيف يحتكر «حاملو القلم» عملية الصياغة، وكيف تتراجع الشفافية في بعض المسارات. فمن يتحدث عن الجدار بعد أن وقف داخله، ليس كمن يصفه من الخارج.

هل نملك ما يكفي من أدوات الضغط؟

الجواب نعم، وبوضوح.

أولاً، لأن الموقف الإفريقي ليس رأياً جزائرياً منفرداً، بل هو موقف جماعي للقارة، تجسّد في توافق إزولويني وإعلان سرت لعام 2005، اللذين طالبا بمنح إفريقيا مقعدين دائمين بكامل الصلاحيات، بما فيها حق النقض، وخمسة مقاعد غير دائمة.

وهذا الموقف، الذي تتبناه أكثر من خمسين دولة إفريقية، يجعل من الصعب على أي عاصمة كبرى تجاهله دون تحمل كلفة سياسية.

ثانياً، لأن ميثاق المستقبل أقرّ بأن إفريقيا تعرضت لظلم تاريخي في تمثيلها داخل مجلس الأمن، وأن تصحيح هذا الاختلال يجب أن يكون أولوية في أي عملية إصلاح. إنه اعتراف موثق في وثيقة أممية، ولا يمكن تجاوزه بالصمت.

ثالثاً، لأن دول الجنوب العالمي باتت ترى في مجلس الأمن انعكاساً لازدواجية المعايير في النظام الدولي. والجزائر، المعروفة بدفاعها الثابت عن الشرعية الدولية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، قادرة على التعبير عن هذه المطالب بلغة سياسية مقنعة ومرجعية قانونية واضحة.

أما من يرى أن الإصلاح لا يزال بعيد المنال، فالجزائر تدرك ذلك جيداً، لكنها لا تنتظر المعجزات، بل تعمل من أجل تحقيق مكاسب ملموسة في مجالات الشفافية وأساليب العمل والمساءلة، وبناء ضغط متراكم يجعل كلفة الجمود أكبر من كلفة التغيير.

العقبات: من يخشى العدالة؟

لنسمِّ الأمور بأسمائها.

العقبة الأولى هي حق النقض نفسه. فتعديل ميثاق الأمم المتحدة، وفقاً للمادتين 108 و109، يتطلب موافقة الدول التي تتمتع بالامتيازات الحالية، ما يعني أن المستفيدين من الاختلال يملكون أيضاً القدرة على تعطيل إصلاحه.

وهنا يسقط الخطاب الجميل عن «نظام دولي قائم على القواعد» أمام أول اختبار حقيقي: هل تُطبَّق هذه القواعد حتى على أصحاب الامتيازات؟

أما العقبة الثانية، فتتمثل في التأييد اللفظي. فهناك عواصم كثيرة تعلن تفهمها لمطالب إفريقيا، لكنها تتحفظ عندما يصل النقاش إلى جوهر القضية، أي منح القارة صلاحيات كاملة. فلا قيمة لدعم ينتهي عند حدود منح مقعد شرفي أو تمثيل منقوص.

وتتمثل العقبة الثالثة في تعدد المسارات وتشتت الجهود بين تكتلات تتنافس داخل المفاوضات الحكومية الدولية.

أما العقبة الرابعة، فتتعلق بالتوازنات الإفريقية الداخلية بشأن هوية الدولتين اللتين ستحصلان على المقعدين الدائمين. وقد اختارت الجزائر تحصين وحدة الموقف الإفريقي قبل الخوض في الأسماء، حتى لا يجد الرافضون في خلافات القارة ذريعة لإفشال مطالبها.

وتتمثل العقبة الخامسة في عالم مضطرب تتصارع فيه القوى الكبرى، وتؤجل فيه ملفات الإصلاح بحجة الانشغال بالأزمات الدولية. غير أن مجلساً يعجز عن التعامل مع النزاعات الكبرى يمثل، في حد ذاته، دليلاً قوياً على أن بنيته الحالية أصبحت جزءاً من المشكلة.

ما يجب أن يُقال بوضوح

لا تُمس شرعية القرار الأممي عندما يخطئ فحسب، بل تتعرض أيضاً للتساؤل عندما يصدر عن مجلس لا تعكس تركيبته واقع العالم الذي يتولى إدارة قضاياه.

والجزائر، بثبات خطابها وتماسك حلفائها ووضوح مرجعيتها، تقول للعالم ما تتهرب من قوله قوى كثيرة: لن تظل إفريقيا ضيفاً دائماً على مائدة القرار الدولي.

قد يطول الطريق، لكن التاريخ يعلمنا أن الامتيازات لا تسقط بالصمت، وأن القضايا العادلة تنتصر حين يحملها أصحاب الإصرار.

والجزائر، وريثة الثورة التي علّمت العالم أن إرادة الشعوب لا تُقهر، تعرف كيف تنتظر، وكيف تواصل الضغط، وكيف تدافع عن الحق حتى ينتزع مكانه المستحق في النظام الدولي.

Share.

عبد القادر عقون صحفي ومختص في العلاقات الدولية يشتغل حالياً مديرا عاما مسيرا لشبكة الهضاب تي في.

Leave A Reply Cancel Reply

Exit mobile version