بقلم: حمزة بن علاق
خبير في القانون الدولي والشؤون الدبلوماسية

تشهد عدة دول أوروبية، خلال خريف عام 2026، موجة من الاحتجاجات والتحركات الاجتماعية التي أعادت إلى الواجهة أسئلة عميقة بشأن مستقبل الاستقرار السياسي والاجتماعي في القارة، في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية، وأزمة السكن، وتراجع القدرة الشرائية، والاحتقان داخل المؤسسات التعليمية، إلى جانب تنامي الانتقادات الموجهة إلى عدد من الحكومات الأوروبية.

ورغم اختلاف السياقات الوطنية والمطالب من دولة إلى أخرى، فإن اتساع رقعة هذه التحركات يمنحها دلالة سياسية تتجاوز حدود الاحتجاجات المحلية، ويطرح تساؤلات حول طبيعة التحولات التي تعرفها المجتمعات الأوروبية، ومدى قدرة الأنظمة السياسية القائمة على احتواء الغضب الاجتماعي المتصاعد.

صربيا.. انتصار الحركة الطلابية في صناديق الاقتراع

تقدم التجربة الصربية واحدة من أبرز المحطات السياسية التي شهدتها أوروبا خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما تمكنت القائمة المدعومة من الحركة الطلابية من تحقيق فوز لافت في الانتخابات التشريعية المبكرة التي جرت يوم 25 أكتوبر 2026.

وتعود جذور هذا التحول إلى الاحتجاجات الطلابية التي اندلعت عقب انهيار مظلة محطة السكك الحديدية بمدينة نوفي ساد، في الأول من نوفمبر 2024، وهي الحادثة التي أودت بحياة 16 شخصاً، وأثارت موجة واسعة من الغضب الشعبي والمطالبات بكشف المسؤوليات ومحاسبة المتورطين.

ومع مرور الوقت، تجاوزت الاحتجاجات مطالب التحقيق في الحادثة، لتتحول إلى حركة سياسية واجتماعية أوسع، رفعت شعارات مكافحة الفساد وتعزيز المساءلة وتحسين أداء المؤسسات.

وفي تطور لافت، أقر الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش بهزيمة المعسكر السياسي الذي يقوده، معلناً فوز القائمة الطلابية، وذلك استناداً إلى التقديرات الأولية للنتائج.

وأظهرت المعطيات الأولية التي أعلنتها اللجنة الانتخابية الصربية يوم 26 أكتوبر حصول القائمة الطلابية على 52.71 بالمائة من الأصوات، بما يعادل 140 مقعداً، مقابل 39.17 بالمائة للقائمة المدعومة من فوتشيتش، بما يعادل 104 مقاعد.

ويعكس هذا التحول قدرة الحركات الاحتجاجية، عندما تنجح في تنظيم صفوفها والانتقال من الشارع إلى المؤسسات، على إحداث تغيير سياسي عبر المسارات الانتخابية.

بولندا.. صراع دستوري يضع مؤسسات الدولة أمام اختبار صعب

في بولندا، تتواصل المواجهة السياسية والمؤسساتية بين حكومة رئيس الوزراء دونالد توسك والرئيس كارول نافروتسكي، على خلفية الخلاف حول المحكمة الدستورية وصلاحيات المؤسسات القضائية.

وتعود جذور الأزمة إلى خلافات متراكمة بشأن تعيين القضاة وإصلاح النظام القضائي، وهي ملفات ظلت محل تجاذب سياسي وقانوني منذ سنوات.

وقد تصاعد التوتر خلال الأيام الأخيرة، بعدما اتخذت المواجهة بين الحكومة والرئاسة منحى أكثر حدة، مع تبادل الاتهامات بشأن احترام النظام الدستوري واستقلال المؤسسات.

وتكشف هذه الأزمة عن عمق الانقسام السياسي داخل بولندا، كما تضع التجربة الديمقراطية والمؤسسات الدستورية في البلاد أمام اختبار جديد، في وقت تتابع فيه المؤسسات الأوروبية تطورات الوضع بقلق.

احتجاجات تمتد من فرنسا إلى دول أوروبية أخرى

بالتوازي مع التطورات السياسية في صربيا وبولندا، شهدت عدة دول أوروبية خلال شهري سبتمبر وأكتوبر موجة من الاحتجاجات ذات المطالب الاجتماعية والاقتصادية.

ففي فرنسا، تصاعدت التحركات الاحتجاجية، بمشاركة أعداد كبيرة من الشباب والطلاب، على خلفية تدهور ظروف التعليم، ونقص الموارد داخل المؤسسات التربوية، وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب انتقادات للأداء الحكومي.

وفي إيطاليا، ارتبطت الاحتجاجات بمطالب اجتماعية واقتصادية، شملت القدرة الشرائية والخدمات العامة والتعليم، فيما برزت في إسبانيا أزمة السكن وارتفاع الإيجارات وصعوبة الحصول على مساكن بأسعار مناسبة ضمن أبرز دوافع التحركات الشعبية.

أما في البرتغال، فقد تركزت مطالب المحتجين على توفير السكن بأسعار معقولة ومواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، في حين شهدت بلجيكا تحركات مرتبطة بقطاع التعليم والسياسات الاجتماعية.

وفي ألبانيا، اتخذت الاحتجاجات طابعاً سياسياً أكثر وضوحاً، مع تصاعد المطالب بمكافحة الفساد ومحاسبة المسؤولين، بينما شهدت ألمانيا ودول أوروبية أخرى تحركات مرتبطة بالتعليم والخدمات العامة والسياسات الاقتصادية.

وتشير تقارير إعلامية إلى تسجيل ما لا يقل عن 177 احتجاجاً في 12 دولة أوروبية خلال الفترة الممتدة من 15 سبتمبر إلى 23 أكتوبر 2026، وهو ما يعكس اتساع نطاق الحراك الاجتماعي، رغم اختلاف أسبابه ومطالبه من بلد إلى آخر.

هل نحن أمام ربيع أوروبي جديد؟

إن تزامن هذه التحركات في عدد من الدول الأوروبية قد يوحي بوجود موجة احتجاجية عابرة للحدود، غير أن التعامل معها باعتبارها حركة سياسية موحدة يظل استنتاجاً يحتاج إلى قدر كبير من التحفظ.

فالمطالب المطروحة في فرنسا لا تتطابق بالضرورة مع المطالب في إسبانيا أو البرتغال أو ألبانيا، كما أن السياقات السياسية والاقتصادية تختلف بصورة واضحة بين هذه الدول.

ومع ذلك، فإن القاسم المشترك بين جانب مهم من هذه الاحتجاجات يتمثل في تنامي الشعور لدى قطاعات واسعة من المواطنين، وخاصة فئة الشباب، بأن السياسات الاقتصادية والاجتماعية القائمة لم تعد تستجيب بالشكل الكافي لتطلعاتهم، خصوصاً في مجالات السكن والتعليم والعمل والقدرة الشرائية.

ومن هذه الزاوية، يمكن الحديث عن خريف أوروبي مضطرب، تتقاطع فيه الأزمات الاجتماعية مع التحولات السياسية والمؤسساتية، دون الجزم بأن القارة دخلت فعلياً مرحلة «ربيع أوروبي» جديد.

تداعيات محتملة على مستقبل أوروبا

لا تقتصر أهمية هذه التطورات على بعدها الاجتماعي الداخلي، بل تمتد إلى مستقبل التوازنات السياسية داخل الاتحاد الأوروبي، وإلى قدرة الحكومات على المحافظة على الاستقرار في ظل الضغوط الاقتصادية وتزايد الاستقطاب السياسي.

كما أن صعود الحركات الاحتجاجية، وتراجع الثقة في بعض الأحزاب التقليدية، قد يفتح المجال أمام إعادة تشكيل الخريطة السياسية في عدد من الدول، ويمنح قوى جديدة فرصة أكبر للتأثير في المؤسسات وصناعة القرار.

وفي المقابل، فإن اتساع الاحتجاجات لا يعني بالضرورة انهيار الأنظمة السياسية أو انتقالها إلى مرحلة تغيير جذري، إذ تظل قدرة المؤسسات على الحوار والإصلاح والاستجابة للمطالب الاجتماعية عاملاً حاسماً في تحديد مسار المرحلة المقبلة.

إن أوروبا تقف اليوم أمام اختبار سياسي واجتماعي مهم، عنوانه الأساسي مدى قدرتها على تجديد عقدها الاجتماعي، واستعادة ثقة مواطنيها، ولا سيما الشباب، في المؤسسات الديمقراطية.

أما الحديث عن «ربيع أوروبي»، فيبقى في الوقت الراهن فرضية تحليلية مفتوحة، ستحدد مساراتها التطورات السياسية والاقتصادية خلال الأشهر المقبلة.

Share.

عبد القادر عقون صحفي ومختص في العلاقات الدولية يشتغل حالياً مديرا عاما مسيرا لشبكة الهضاب تي في.

Leave A Reply Cancel Reply

Exit mobile version