تجريم الاستعمار… حين تقول الجزائر كلمتها الأخيرة
بقلم: عبد القادر عقون
لم يعد الاستعمار الفرنسي للجزائر موضوعًا تاريخيًا قابلًا للنقاش أو المساومة، بل حقيقة دامغة تفرض نفسها اليوم بقوة القانون. فالتصويت على مشروع قانون تجريم الاستعمار داخل المجلس الشعبي الوطني ليس حدثًا برلمانيًا عابرًا، بل إعلان سيادي صريح بأن الذاكرة الوطنية خط أحمر، وأن زمن الصمت السياسي قد انتهى.
الجزائر، التي دفعت ثمنًا باهظًا من دماء أبنائها وهويتها وثرواتها، ترفض أن تُدار علاقتها مع فرنسا بمنطق النسيان الانتقائي. فالدعوات المتكررة إلى “طي الصفحة” لم تكن يومًا سوى محاولة للهرب من الحقيقة، والحقيقة تقول إن الاستعمار كان مشروع إبادة ممنهج، لا يمكن تبريره ولا تبييضه تحت أي غطاء سياسي أو ثقافي.
إن تحويل ملف الذاكرة إلى نص قانوني يضع حدًا للغموض المقصود في الخطاب الفرنسي الرسمي، ويُنهي ازدواجية المعايير التي تميّز بين الجرائم بحسب الجغرافيا والضحايا. فالجزائر، من خلال هذا القانون، لا تهاجم شعبًا، لكنها تُدين منظومة استعمارية لا تزال بعض دوائر القرار في باريس ترفض الاعتراف بجرائمها.
داخليًا، تمثل هذه الخطوة تحصينًا للوعي الوطني، ورسالة واضحة مفادها أن الثورة التحريرية ليست رصيدًا للاستهلاك المناسباتي، بل مرجعية سياسية وقانونية تحكم خيارات الدولة ومواقفها. كما تعكس إجماعًا وطنيًا نادرًا حول قضية لا تقبل التفاوض.
خارجيًا، تدرك الجزائر أن هذا المسار سيُربك حسابات باريس، خصوصًا في ظل صعود تيارات سياسية جعلت من إنكار الاستعمار ورقة انتخابية. غير أن هذا الإرباك ضروري، لأن استمرار الإنكار هو جوهر الأزمة، وليس مواجهته بالقانون.
الأهم أن تجريم الاستعمار يفتح الباب أمام مرحلة جديدة، تُبنى فيها العلاقات الدولية على أساس الحقيقة لا المجاملة، والاعتراف لا الإملاء. فلا شراكة متوازنة دون ذاكرة عادلة، ولا مستقبل مشترك دون مواجهة صريحة مع الماضي.
الجزائر اليوم لا تطلب اعتذارًا شكليًا، ولا تسعى إلى تصفية حسابات، لكنها تفرض معادلة واضحة: من يعترف بالتاريخ يحترم الحاضر، ومن يُنكر الجرائم لا يملك حق الوعظ في القيم.
هذه ليست خطوة ضد أحد، بل خطوة مع الجزائر… ومع الحقيقة
