الجزائر وإسبانيا.. شراكة اقتصادية تتجاوز الطاقة نحو الصناعة والاستثمار ونقل التكنولوجيا
الإعلامي عبد القادر عقون
لم تعد العلاقات الجزائرية الإسبانية محصورة في إطار المبادلات التجارية التقليدية أو التعاون في مجال الطاقة، بل تبرز اليوم مؤشرات على توجه نحو بناء شراكة اقتصادية وصناعية أوسع، تقوم على الاستثمار المشترك، ونقل التكنولوجيا، وتطوير الإنتاج، وفتح آفاق جديدة أمام المؤسسات الجزائرية والإسبانية، في ظل التحولات الاقتصادية التي تشهدها المنطقة المتوسطية وإعادة رسم خارطة الشراكات بين أوروبا وإفريقيا.
وفي هذا السياق، تكتسي مشاركة رئيس مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري، السيد كمال مولى، في أشغال المنتدى الإيبيري الإفريقي الثالث بالعاصمة الإسبانية مدريد، أهمية خاصة، بالنظر إلى طبيعة الملفات المطروحة، والدور الذي باتت تلعبه المنظمات الاقتصادية في توجيه العلاقات بين الدول نحو شراكات عملية قائمة على المصالح المشتركة.
وقد شارك مولى بصفته متدخلاً في الجلسة الحوارية الافتتاحية المخصصة لمبادرة «البوابة العالمية» (Global Gateway)، وهي المبادرة الأوروبية الرامية إلى دعم مشاريع الربط والاستثمار والبنية التحتية وتعزيز التعاون مع الشركاء الدوليين، بما يفتح المجال أمام المؤسسات الجزائرية للاستفادة من فرص جديدة في محيطها الاقتصادي الأوروبي والإفريقي.
من تصدير الطاقة إلى صناعة القيمة المضافة
الرسالة الأبرز التي تحملها هذه المشاركة تتمثل في ضرورة الانتقال بالعلاقات الاقتصادية الجزائرية الأوروبية من منطق التبادل التجاري التقليدي إلى منطق الإنتاج المشترك والاستثمار الصناعي ونقل الخبرات والتكنولوجيا.
فالجزائر تمتلك اليوم مقومات مهمة لتعزيز موقعها الاقتصادي، بفضل مواردها الطاقوية، وموقعها الجغرافي الاستراتيجي، وسوقها الوطنية، إلى جانب التوجه المتزايد نحو دعم الإنتاج المحلي وتطوير النسيج الصناعي وتشجيع الاستثمار.
كما أن التوجه الذي تبنته الدولة خلال السنوات الأخيرة، تحت قيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، لدعم المؤسسات الوطنية وتشجيع التصنيع وتقليص الاعتماد على الاستيراد، يمنح الشراكات الخارجية أبعاداً جديدة، لا تقوم فقط على استيراد المنتجات، وإنما على إنتاجها محلياً وتطوير قدرات المؤسسات الجزائرية للمنافسة في الأسواق الخارجية.
وهنا تبرز أهمية الطرح الذي يدافع عنه مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري، والقائم على إشراك المؤسسات المحلية في سلاسل القيمة، وتطوير الكفاءات، وتحويل فرص الاستثمار إلى مشاريع إنتاجية حقيقية توفر مناصب الشغل وتخلق الثروة.
إسبانيا.. شريك اقتصادي قريب وفرص استثمار واسعة
تمثل إسبانيا أحد الشركاء الأوروبيين الذين يمكن أن تلعب معهم الجزائر دوراً مهماً في تطوير التعاون الصناعي والتكنولوجي، بالنظر إلى القرب الجغرافي والإمكانات الاقتصادية التي يمتلكها البلدان.
وتبرز عدة قطاعات واعدة أمام هذا التعاون، على غرار الطاقات المتجددة، والهيدروجين، والأسمدة والأمونيا، وصناعة السيارات وقطع الغيار والمناولة الصناعية، وهي مجالات تتيح فرصاً حقيقية لإقامة مشاريع مشتركة تتجاوز حدود المبادلات التجارية نحو بناء قدرات إنتاجية مستدامة.
كما يبرز مشروع ممر الهيدروجين الجنوبي «SoutH2» كأحد المشاريع الاستراتيجية التي تعكس الإمكانات المتاحة لتعزيز الربط الطاقوي بين الجزائر وأوروبا، وتطوير تعاون طويل الأمد في مجال الطاقات النظيفة.
غير أن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند تصدير الموارد أو توفير الإمدادات الطاقوية، بل يتعين أن يمتد إلى توطين الصناعات المرتبطة بها، ونقل التكنولوجيا، وتكوين الكفاءات الجزائرية، وخلق مؤسسات إنتاجية قادرة على تحقيق قيمة مضافة داخل البلاد.
البوابة العالمية.. فرصة لتحويل التقارب إلى مشاريع ملموسة
إن مشاركة الجزائر في مثل هذه اللقاءات الاقتصادية تكتسب أهميتها من قدرتها على فتح قنوات اتصال مباشرة بين رجال الأعمال والمؤسسات وممثلي القطاعين العام والخاص، بما يسمح بتحديد فرص الاستثمار وتحويل الاهتمام السياسي والاقتصادي إلى اتفاقيات ومشاريع قابلة للتجسيد.
وفي هذا الإطار، يشكل الحوار مع الاتحاد الإسباني لمنظمات الأعمال (CEOE) خطوة مهمة نحو تقريب المؤسسات الجزائرية والإسبانية، واستكشاف مجالات التعاون التي تخدم مصالح الطرفين.
فالجزائر لا تبحث اليوم عن شراكات ظرفية أو علاقات تجارية محدودة، وإنما تتجه نحو بناء علاقات اقتصادية أكثر توازناً، تقوم على نقل المعرفة، وتطوير الصناعة، وتعزيز قدرات الإنتاج الوطني، وفتح الأسواق أمام المؤسسات المحلية.
الجزائر.. من موقع الشريك الطاقوي إلى فضاء استثماري وصناعي واعد
إن التحولات التي يشهدها الاقتصاد الجزائري، والاهتمام المتزايد بالاستثمار والإنتاج المحلي، يمنحان البلاد فرصة لتعزيز مكانتها كشريك اقتصادي مهم في الفضاءين الأوروبي والإفريقي.
وتبقى قوة أي شراكة اقتصادية مرتبطة بمدى قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة، من خلال إقامة المصانع، ونقل التكنولوجيا، وتطوير المؤسسات، وتوفير مناصب الشغل، ورفع تنافسية المنتج الجزائري.
ومن هذا المنطلق، فإن مشاركة كمال مولى في المنتدى الإيبيري الإفريقي الثالث بمدريد ليست مجرد حضور في تظاهرة اقتصادية دولية، بل تندرج ضمن مسعى أوسع لتعزيز حضور المؤسسات الجزائرية في المحافل الاقتصادية، وبناء جسور تعاون جديدة مع الشركاء الأوروبيين، وفي مقدمتهم إسبانيا.
فالجزائر تمتلك الإمكانات والموقع والموارد، والتحدي المطروح اليوم هو تحويل هذه المقومات إلى قوة إنتاجية وصناعية، تجعل من الشراكات الدولية رافعة حقيقية للتنمية، وتمنح الاقتصاد الوطني موقعاً أكثر تأثيراً في محيطه الإقليمي والدولي.

